الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

46

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المعنى إذ كان المقام حقيقا ، فالتقرير لقصد التوصل به إلى الدلالة على إبطال زعم المشركين شفاعة أصنامهم لهم عند اللّه ، وهي دلالة بطريق الفحوى فإنه إذا نفي تكلمهم بدون إذن نفيت شفاعتهم إذ الشفاعة كلام من له وجاهة وقبول عند سامعه . وليبنى عليها الاستثناء لبعد ما بين المستثنى والمستثنى منه بمتعلقات يَمْلِكُونَ [ النبأ : 37 ] من مجرور ومفعول به ، وظرف ، وجملة أضيف لها . وضمير يَتَكَلَّمُونَ عائد إلى ما عاد إليه ضمير يَمْلِكُونَ والقول في تخصيص لا يَتَكَلَّمُونَ مثل القول في تخصيص لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً [ النبأ : 37 ] وقوله : إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ [ طه : 109 ] استثناء من ضمير لا يَتَكَلَّمُونَ وإذ قد كان مؤكدا لضمير لا يَمْلِكُونَ فالاستثناء منه يفهم الاستثناء من المؤكّد به . والقيام : الوقوف وهو حالة الاستعداد للعمل الجد وهو من أحوال العبودية الحق التي لا تستحق إلا للّه تعالى . وفي الحديث : « من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار » ، أي لأن ذلك من الكبرياء المختصة باللّه تعالى . والرّوح : اختلف في المراد منه اختلافا أثاره عطف الملائكة عليه فقيل هو جبريل . وتخصيصه بالذكر قبل ذكر الملائكة المعطوف عليه لتشريف قدره بإبلاغ الشريعة ، وقيل المراد : أرواح بني آدم . واللام لتعريف الجنس : فالمفرد معها والجمع سواء . والمعنى : يوم تحضر الأرواح لتودع في أجسادها ، وعليه يكون فعل يَقُومُ مستعملا في حقيقته ومجازه . و الْمَلائِكَةُ عطف على الرُّوحُ ، أي ويقوم الملائكة صفّا . والصف اسم للأشياء الكائنة في مكان يجانب بعضها بعضا كالخط . وقد تقدم في قوله تعالى : ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا في سورة طه [ 64 ] ، وفي قوله : فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ في سورة الحج [ 36 ] ، وهو تسمية بالمصدر من إطلاق المصدر على اسم الفاعل ، وأصله للمبالغة ثم صار اسما ، وإنما يصطف الناس في المقامات التي يكون فيها أمر عظيم فصفّ الملائكة تعظيم للّه وخضوع له . والإذن : اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل للمأذون ، وهو مشتق من : أذن له ، إذا استمع إليه قال تعالى : وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [ الانشقاق : 2 ] ، أي استمعت وأطاعت لإرادة